**توابيت أثرية تكشفها مياه سد الموصل المتراجعة: نافذة على تاريخ العراق القديم**
**مقدمة:**
في قلب بلاد الرافدين، حيث يلتقي التاريخ
بالحداثة وتتجدد القصص القديمة مع كل تحدٍ بيئي، يبرز اكتشاف أثري استثنائي على
أطراف سد الموصل شمال العراق. فمع الانخفاض الملحوظ في منسوب مياه السد، جراء
سنوات الجفاف المتتالية التي تضرب المنطقة، بدأت مياه دجلة تكشف عن كنوز خفية
طالما بقيت مدفونة تحت طبقات الطمي والمياه، لتقدم لنا نافذة جديدة على حضارات
غابرة وتاريخ العراق العريق.
![]() |
**توابيت أثرية تكشفها مياه سد الموصل المتراجعة: نافذة على تاريخ العراق القديم** |
- هذا الاكتشاف، الذي يتضمن عشرات التوابيت الفخارية التي يُرجح أن عمرها يتجاوز 2300 عام، لا
- يمثل مجرد إضافة إلى السجل الأثري للمنطقة، بل يعيد تسليط الضوء على العلاقة المعقدة بين
- الإنسان وبيئته، وكيف يمكن للتحديات المناخية أن تكشف عن فرص غير متوقعة لإثراء فهمنا
- لتاريخنا المشترك.
**سد الموصل حارس التاريخ القديم**
يُعد سد الموصل، أو سد دهوك كما يُعرف محليًا، أكبر سد في العراق، وهو شريان حياة لملايين العراقيين، يوفر المياه للزراعة والشرب وتوليد الطاقة. ومع ذلك، فإن هذه البنية التحتية الحديثة، التي أُنشئت في ثمانينيات القرن الماضي، قد غمرت تحت مياهها مناطق واسعة كانت تزخر في الماضي بمواقع أثرية لا تُحصى.
- لطالما كانت المياه المتجمعة في بحيرة السد حارسًا صامتًا لتلك المواقع، تخفيها عن الأنظار وتحميها
- من عوامل التعرية، ولكنها أيضًا تمنع علماء الآثار من استكشافها. واليوم، وبعد سنوات من الشح
- المائي الذي أثر سلبًا على القطاعات الحيوية في البلاد، انقلبت الآية، فأصبح انحسار المياه هو المفتاح
- الذي
يفتح أبواب الماضي.
**الاكتشاف الجديد توابيت فخارية تحكي قصصًا**
أعلن بيكس بريفكاني، مدير الآثار والتراث في محافظة دهوك، عن اكتشاف "40 تابوتًا فخاريًا مدفونة كلها باتجاه واحد" على
أطراف سد الموصل في بلدة خانكه. هذا الاكتشاف لم يأتِ من فراغ، فقد سبقه عمل دؤوب
من قبل فريق بريفكاني في عام 2023، حيث قاموا بمسح أولي للموقع وعثروا على "ملتقطات
أثرية وفخارية وتماثيل، لكن أجزاء قليلة منها كانت ظاهرة للعيان إذ كان مستوى
المياه مرتفعًا" في ذلك الوقت. ولم يتمكن الفريق من بدء العمل الجاد والتنقيب
الكامل إلا "هذه السنة بعدما انخفض مستوى المياه إلى أدناه".
- تتميز هذه التوابيت بكونها مصنوعة من الفخار، وهي مادة شائعة في الحضارات القديمة للمنطقة
- ويعكس اتجاه دفنها الموحد تقاليد وطقوسًا جنائزية معينة كانت سائدة في تلك الحقبة. ويُرجح علماء
- الآثار أن هذه التوابيت تعود إلى فترة تعود لأكثر من 2300 عام، مما يعني أنها قد تكون جزءًا من
- حضارات تعاقبت على حكم بلاد ما بين النهرين، مثل العصر الهلنستي أو البارثي، وهي فترات
- شهدت تفاعلات ثقافية وسياسية غنية في المنطقة.
**الجفاف تحدٍ بيئي وفرصة أثرية**
لا يمكن فصل هذا الاكتشاف عن سياق الجفاف الذي
يضرب العراق بقسوة منذ خمس سنوات متتالية. فالعراق، الذي يُعد خامس أكثر البلدان
تأثرًا بالتغير المناخي في العالم، يواجه تحديات بيئية جسيمة تهدد أمنه المائي
والغذائي. وقد أثر انخفاض منسوب الأنهار الرئيسية، دجلة والفرات، وانحسار مياه
السدود بشكل كبير على الزراعة، التي تعد مصدر رزق لملايين العراقيين، وترك آثارًا
سلبية على البيئة والحياة البرية.
- ومع ذلك، وكما يشير بريفكاني، فإن "الجفاف كان له تأثير كبير في الزراعة مثلاً، لكن بالنسبة إلينا
- كأثريين كان مهمًا لنتمكن من التنقيب في هذا الموقع". هذه المفارقة تبرز كيف أن التحديات البيئية
- على الرغم من قسوتها، يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للمعرفة والبحث. فما كان يُعد عائقًا لسنوات، أصبح
- اليوم فرصة لا تُقدر بثمن للكشف عن أسرار الماضي.
**السياق الأثري سلسلة من الاكتشافات**
لم يكن هذا الاكتشاف الأول من نوعه في المنطقة. فخلال
الأعوام الأخيرة، كشفت مياه السدود المنحسرة في العراق عن سلسلة من المواقع
الأثرية المهمة التي تعود لآلاف السنين. ففي عام 2022، كشف انخفاض منسوب مياه سد
الموصل أيضًا عن مدينة زاخيكو القديمة، التي يُعتقد أنها كانت مركزًا تجاريًا
مهمًا في العصر الميتاني قبل حوالي 3400 عام. كما كشفت مياه الفرات في الجنوب عن
آثار قرى ومواقع تعود إلى العصر السومري والأكادي.
- هذه الاكتشافات المتتالية تؤكد على غنى التراث الأثري للعراق، الذي يُعد مهد الحضارات، وتُبرز
- الحاجة الملحة إلى تكثيف الجهود البحثية والتنقيبية، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي قد تكشف
- المزيد من هذه
الكنوز المدفونة.
**أهمية الاكتشافات الأثرية للعراق**
تتجاوز أهمية هذه الاكتشافات مجرد القيمة
التاريخية. فهي تساهم في:
1. **إثراء
المعرفة التاريخية:** توفر هذه التوابيت معلومات قيمة عن الممارسات الجنائزية،
والمعتقدات الدينية، والتنظيم الاجتماعي للحضارات التي عاشت في المنطقة قبل آلاف
السنين. يمكن لتحليل محتوياتها والمواد المستخدمة في صنعها أن يكشف عن تفاصيل حول
الحياة اليومية، والعادات، وحتى العلاقات التجارية مع المناطق الأخرى.
2. **تعزيز
الهوية الوطنية:** يمتلك العراق تاريخًا غنيًا وحضارات عريقة تُمثل جزءًا لا يتجزأ
من هوية شعبه. تسلط هذه الاكتشافات الضوء على هذا الإرث وتُعزز الشعور بالفخر
الوطني والارتباط بالتاريخ الطويل للبلاد.
3. **دعم
السياحة الثقافية:** يمكن لهذه المواقع الأثرية أن تُصبح نقاط جذب سياحية مهمة،
مما يساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل للشباب. السياحة الثقافية
المستدامة يمكن أن تكون رافدًا اقتصاديًا حيويًا للعراق.
4. **التعاون
الدولي والبحث العلمي:** تجذب هذه الاكتشافات اهتمامًا دوليًا، مما يفتح الأبواب
أمام التعاون مع الجامعات والمؤسسات الأثرية العالمية. هذا التعاون يمكن أن يوفر
الخبرة التقنية والموارد المالية اللازمة لمشاريع التنقيب والترميم.
5. **التوعية
بأهمية الحفاظ على التراث:** تُبرز هذه الاكتشافات ضرورة حماية المواقع الأثرية من
النهب والتخريب، وتسليط الضوء على أهمية الحفاظ على التراث الثقافي للأجيال
القادمة.
**التحديات والمستقبل**
على الرغم من أهمية هذه الاكتشافات، تواجه فرق
التنقيب تحديات كبيرة. فالعمل في مناطق السدود يتطلب تنسيقًا دقيقًا مع إدارة السد
للتحكم في مستويات المياه. كما أن تغير المناخ نفسه، الذي كشف عن هذه المواقع،
يمثل تحديًا مستمرًا، فارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار يمكن أن يؤثر على
استقرار المواقع المكتشفة ويتطلب حلولًا مبتكرة للحفاظ عليها.
وعلى المدى الطويل، تحتاج العراق إلى استراتيجية شاملة لإدارة موارده المائية والتكيف مع التغير المناخي، مع دمج جهود الحفاظ على التراث الأثري ضمن هذه الاستراتيجية. يجب أن يتضمن ذلك:
* **الاستثمار
في التقنيات الحديثة:** استخدام الطائرات بدون طيار (الدرون)، والمسح بالليزر،
والتصوير ثلاثي الأبعاد لتوثيق المواقع المكتشفة بسرعة ودقة قبل أن تُغمر بالمياه
مرة أخرى أو تتعرض لعوامل التعرية.
* **بناء
القدرات المحلية:** تدريب المزيد من علماء الآثار والمرممين العراقيين لتمكينهم من
قيادة جهود التنقيب والحفاظ على التراث.
* **التوعية
العامة:** إطلاق حملات توعية بأهمية هذه الاكتشافات ودورها في ربط الأجيال الجديدة
بتاريخها العريق.
* **التعاون
الإقليمي والدولي:** العمل مع الدول المجاورة والمنظمات الدولية لتبادل الخبرات
والموارد في مجالات إدارة المياه والحفاظ على التراث.
**خاتمة**
إن اكتشاف التوابيت الفخارية في سد الموصل هو تذكير مؤثر بأن تحت أقدامنا، وتحت مياه أنهارنا، يكمن تاريخ غني ينتظر أن يُكشف. ففي الوقت الذي يناضل فيه العراق ضد آثار الجفاف والتغير المناخي، تُقدم هذه الاكتشافات بصيص أمل، وفرصة لإعادة الاتصال بماضٍ مجيد، وتأكيد على أن روح الحضارة لا تموت، بل تظهر لنا في أوقات غير متوقعة، لتروي قصصًا جديدة عن الصمود والإبداع البشري في مواجهة تحديات الطبيعة وتقلبات الزمن.
هذه التوابيت، التي رأت النور بعد
آلاف السنين، ليست مجرد قطع أثرية، بل هي شهود صامتة على عظمة الحضارة العراقية، تدعونا
للتأمل في مسيرتنا كبشر، وفي الروابط التي تجمعنا بأولئك الذين سبقونا على هذه
الأرض.